الرئيسية » إنتاجات الشيخ » خطبة ( الظلم )

خطبة ( الظلم )

عنوان الخطبة

الظلم

اسم المدينة

تعز – اليمن

رقم الخطبة

15

اسم الجامع

جامع عمر بن عبد العزيز

التصنيف

صفات قبيحة

تاريخ الخطبة

20 / رجب / 1431هـ

اسم الخطيب

د. عقيل بن محمد المقطري

عناصر الخطبة

-

أما بعد:-

فإن الله سبحانه وتعالى يصطفي ويختار من خلقه ما يشاء.

فالله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، ويصطفي من البقاع ما يشاء فأحب البقاع إلى الله عز وجل المساجد وأبغضها أسواقها، ويصطفي من الأزمنة ما يشاء فاصطفى من أشهر السنة الأشهر الحرم وفضلها على غيرها فقال: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[1].

واصطفى الله من أيام الأسبوع الجمعة فجعلها عيدا للمسلمين يجتمعون في هذا اليوم ليتفقهوا في أمر دينهم وليعبدوا الله ويذكروه .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الجمعة 9 .

والأشهر الحرم ثلاث متواليات ذو العقدة وذو الحجة ومحرم وواحد منفرد وهو رجب الذي يأتي بعده شعبان ونحن في الأيام الأواخر من هذا الشهر المحرم .

والله جل وعلا قد جعل للأشهر الحرم فضائل فمن فضائلها:

أنه سبحانه وتعالى إضافة إلى تحريمه للظلم والمظالم جعل تحريمها في هذه الأشهر أشد فقال: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )

وجعل أفضل الأعمال في هذه الأشهر فالحج فيها وهكذا الصيام  كما قال عليه الصلاة والسلام: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ)[2]

وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يصوم من الأشهر الحرم وكان صلى الله عليه وسلم يحرم هذه الأشهر و يعظمها ويذكر المسلمين بقدرها .

من أجل هذا حرم الله سبحانه وتعالى القتال في الأشهر الحرم .

ولقد كانت الجاهلية تعظمها و تحرمها وتحرم القتال فيها .

إن للظلم أيها المسلمون عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع بل وعلى الشعوب والدول.

يقول الله سبحانه وتعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[3]

وقال (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً)[4]

إن الله تعالى حرم الظلم على نفسه أولا ثم حرمه على عباده فقال في الحديث القدسي: ( يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا )[5]

فبدأ بنفسه سبحانه فحرم الظلم على نفسه ثم حرمه بعد ذلك على عباده وذلك لأن الظلم صفة نقص والله تعالى تنزه عن صفات النقص، فوصف نفسه سبحانه بأنه لا يظلم مثقال ذرة .

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)[6]

وقال سبحانه وتعالى :(وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)[7].

ولقد حرم النبي عليه الصلاة والسلام الظلم في أشهر البقاع وأطهرها وأفضلها عند الله وفي أعظم الأيام وفي أعظم الشهور وفي أعظم موقف فكان في خطبته في حجة الوداع أن قال : ( ألا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت – ثلاثا يرددها -والناس يقولون بلى والنبي عليه الصلاة والسلام يرفع أصبعه إلى السماء ويقول : اللهم فاشهد ثم ينكتها على الناس ، اللهم فأشهد ، اللهم فاشهد)[8]

وقال صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة )[9]

وقال: ( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله )[10]

فحرم صلى الله عليه وسلم الظلم .

أيها المسلمون ليس المقصود بالظلم أن تظلم غيرك فحسب ؛ فإن الظلم أعظم من هذا وأشمل من هذا بكثير.

ولقد تهدد الله – تعالى- الظالمين باللعنة فقال (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[11].

وعواقب الظلم وخيمة جدا على الفرد وعلى المجتمع وإضافة إلى ذلك فإن الله يهلك الظالمين ( أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )[12].

أيا كان هذا الظالم سواء كان مؤمنا مسلما أو كافر قريبا أو بعيدا فإن الله تعالى يملى له فإذا أخذه ، أخذه أخذ عزيز مقتدر قال الله : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) سورة هود 102.

الدول والشعوب إذا ظلمت أو الحكام إذا ظلموا فالله سبحانه وتعالى يمهلها ويملي لها لكنه إذا أخذها أخذها أخذ عزيز مقتدر..

إن ذهاب الأمن والاستقرار و فشو المنكرات والفواحش وارتفاع الهداية عن الناس بسبب الظلم يقول الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )[13].

ومفهوم هذه الآية أن الأمن والأمان والاستقرار يرتفع عن الظالمين في الدول الظالمة فلا تنصر الدولة الظالمة بل الخذلان حليفها والانهيار هو خاتمتها وهو أجلها المحتوم .

هكذا – أيها المسلمون –

الظلم عواقبه وخيمة خاصة ونحن في أواخر هذا الشهر الحرام وستأتي علينا الأشهر الحرم والله تعالى قد حذر من أن يظلم الإنسان نفسه فيها فقال: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) سورة التوبة آية (36).

الظلم – أيها المسلمون- أنواع:

ويمكن أن نختزلها في ثلاثة أنواع :

الأول : وهو أظلم الظلم ( الإشراك بالله تعالى ) قال لقمان لابنه وهو يعظه كما أخبر الله تعالى : (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )[14]

هذا هو أعظم الظلم ولا يغفره الله جل وعلا إلا بالتوبة إليه هذا النوع أشكاله مختلفة جدا وأنواعه متكاثرة.

فمنها : عبادة غير الله من أشجار وأحجار وأقمار والخضوع لغير الله والتحاكم لغير الله والذبح لغير الله تعالى والنذر لغير الله تعالى والخوف من المخلوق فيما لا يستطع عليه إلا الله تعالى جل وعلا هذه كلها أبواب من أبواب الإشراك بالله تعالى .

وتعظيم غير الله تعالى كله هذه أبواب من أبواب الإشراك بالله تعالى: وكأن يدعي الإنسان أن هذا المخلوق يعلم الغيب وأن بيده الضر هذا كله باب من أبواب الإشراك بالله تعالى وهذا الباب كما قلنا لا يغفره الله تعالى .

النوع الثاني: من أنواع الظلم هو ظلم الإنسان لغيره سواء كان هذا الغير مؤمنا أو كافرا وأنواع هذا الظلم كثيرة جدا.

فيا الله ؟ كم ترى من ظلم الموظفين والعمال بأخذ عرقهم وعدم إعطائهم أجورهم فيبخسهم أشياءهم كونهم محتاجين فيضغط عليهم من أجل أن تؤخذ حقوقهم هذا نوع من أنواع الظلم ولا شك فقد يرفع هذا المظلوم يده إلى الله الذي لا تضيع عنه مظلمة .

كم بالله عليكم نرى من الموظفين الظالمين لأنفسهم والظالمين لغيرهم الذين لا يحترمون الدوام الرسمي فيتأخرون ويغيبون ثم يأخذون أجورهم كاملة والذين يرتشون والذين يسرقون والذين ينهبون والذين يحتالون والذين يأكلون حقوق الناس بشتى الحيل فتراهم يرتشون وينزلون الضرر بالعامة يأخذون الرشاوى من أولئك الذي يتلاعبون بالأسعار ويطففون المكيال والميزان والذين يبيعون على الناس أشياء فاسدة تنزل بهم الضرر هذا نوع آخر من أنواع الظلم .

هكذا أيضا: كما ترى من ظلم الحكام فتراهم يحكمون بغير ما أنزل الله وتراهم يرتشون فيبيعون الأعراض ويبيعون الدماء يزورون في الأحكام وهكذا كم نرى من ظلم ذوى القرابة وهو أشد مضاضة على النفس .

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة                         على المرء من وقع الحسام المهند

كم ترى من ظلم الآباء لأبنائهم ؟ كم ترى من ظلم الإخوان لأخواتهم فلا يعطونهم إرثهم ولا يعطونهم حقوقهم.

كم ترى من ظلم الجار لجاره ؟

كما ترى من ظلم القوى للضعيف أنواع هذا الظلم كثيرة وكم نرى من ظلم بعض الآباء للبنات بالمغالاة بالمهور وبمنعهن من حقهن في الزواج وهذا أيضا نوع آخر من أنواع الظلم .

كم ترى من ظلم الآباء لأبنائهم و من ظلم الأبناء لآبائهم فتراهم يعقونهم ولا يحترمونهم ولا يعطونهم حقوقهم وتراهم في وقت الحاجة ترى الأب أو الأم منكسرة تحتاج إلى أعانة ولدها أو ابنتها فتجد الصدود ، هذا نوع من أنواع الظلم .

ظلم العلماء وظلم طلبة العلم لعامة الناس بعدم تثقيفهم في دين الله وبعدم إعطائهم ما يحتاجون إليه من العلم النافع ومما لا يسع المسلم جهله في أمور المعتقد وفي أمور العبادة وهلم جرا أو تجدهم يعنفون عليهم بالكلام ولا يرحمون عاصيهم أو تجد الصدود عنهم أو الاحتجاب عنهم في وقت الحاجة هذا نوع آخر من أنواع الظلم.

ظلم الحكام بنهب وسلب خيرات البلاد بظلم عامة الناس بانعدام التسوية في تقسيم الثروات أو بانعدام العدالة في توزيع الوظائف هذه كلها تسبب القلق وتسبب التمرد وتسبب انعدام الأمن وهكذا من ظلم الحكام عدم حكمهم بما أنزل الله وتقنين القوانين الوضعية والوافدة من بلاد الغرب التي لا تتناسب مع المسلمين وتتصادم مع القرآن وتتصادم مع سنة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام هذا كذلك من الظلم .

انعدام الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وغير ذلك نوع من أنواع الظلم.

عدم النظر في أحوال الطبقات الفقيرة والمحتاجة هذا نوع آخر من أنواع الظلم و احتكار التجار للسلع الأساسية والتي يحتاج إليها الناس ورفع أثمانها وهذا النوع من أنواع الظلم الله سبحانه وتعالى لا يتركه أبدا.

يقول ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: (… ودعوة المظلوم يرفعها الله تعالى في عنان السماء ثم يقول جل وعلا وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين )[15]

إذا كان ربنا سبحانه يأخذ للشاه الجلحاء من الشاة القرناء التي تنطحها وهذه حيوانات لا تعقل وليس بمكلفة فكيف بالإنسان المكلف .

الله تعالى لن يتركه بل سيأخذ حق المظلوم من هذا الظالم..  فيا خيبة وياإفلاس هذا الظالم الذي يأتي يوم القيامة ومعه صلاة ومعه صيام ومعه حج وغير ذلك فيحيط به المظلومون من كل مكان هذا يذكر مظلمته وهذا يتعلق بتلابيبه وهذا يأخذ بيده كل يذكر مظلمته والله تعالى لا يظلم أحدا أبدا فيأخذ من حسنات هؤلاء الظلمة إلى حسنات المظلومين فإذا فنيت ونفذت أخذ من سيئات المظلومين فطرحها على الظالم فألقي في جهنم والعياذ بالله.

إنه الإفلاس إنها الخسارة الحقيقة.

(قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)[16]

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني و إياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد:

فالنوع الثالث : من أنواع الظلم ظلم الإنسان لنفسه وهو باب من أبواب الظلم واسع والناس في هذا الباب ما بين مستقل ومستكثر (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ )[17]

كل من تعدى حدود الله تعالى في أي باب من الأبواب فهو ظالم لنفسه ، ذاك الذي يقطع الصلاة يظلم نفسه، ذاك الذي يحرم من الخير والحسنات ظالم لنفسه، ذاك الذي يضيع وقته فيما لا ينفع، ذاك الذي لا يجل الله ولا يوقر الله ولا يحتكم إلى شرع الله ظالم لنفسه ، ذاك المرابي ظالم لنفسه ، شارب الخمر ظالم لنفسه ، مؤذي جاره ظالم لنفسه ، وهكذا …وهذا الباب يغفره الله سبحانه وتعالى إن تاب العبد وأناب وإن عاد مرة أخرى  ثم تاب فالله تعالى يقبل توبيته والله سبحانه وتعالى قد فتح باب التوبة على مصراعيه وجعله مفتوحا لكل أحد مهما ظلم قال الله : (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )[18]

إن الواجب على كل عاقل أن يتحلل من المظالم في هذه الدنيا قبل أن لا يكون درهم و لا دينار إنما هي الحسنات إما بالاعتذار أو برد المظلمة لهذا المظلوم قبل أن يأتي يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه كل امرئ يقول نفسي نفسي لا يعطى شيئا من حسناته  لأي إنسان ألا فلنحذر الظلم في الأشهر الحرم خاصة فالمظالم محرمة على سبيل الدوم ولكنها أشد حرمة في الأشهر الحرم.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولها والحمد لله رب العالمين.


[1] - سورة التوبة آية (36)

[2] - صحيح مسلم 3/169

[3] - سورة هود آية (102)

[4] - سورة الكهف آية (59)

[5] - مسلم 8/16

[6] - سورة النساء آية (40)

[7] - سورة الكهف آية )49

[8] - مسند أحمد 4/337

[9] - السلسلة الصحيحة 2/357

[10] - البخاري 2/862

[11] - سورة الأعراف آية (44)

[12] - االبخاري 4/1726

[13] - سورة الأنعام آية الأنعام (82)

[14] - سورة  لقمان آية (13)

[15] - سنن الترمذي5/568

[16] -سورة الزمر آية (15)

[17] - سورة الطلاق آية (1)

[18] - سورة الزمر آية (53)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>