جديد الموقع

طهارة القلب

واجب علينا أن نصفي هذه القلوب وأن نسقلها بطاعة الله عز وجل نزكيها بما زكاها الله عز وجل به وبما زكاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأعمال الصالحة…

خطبة بعنوان : ( طهارة القلب ) 

العناصر:

1-  خطورة الشرك والشحناء.

2-أهمية طهارة القلب.

3-القلب محل نظر الله- عز وجل -.

4- أطهر قلب.

  5- خطورة الذنوب .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) سورة آل عمران آية (102).

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )) سورة النساء آية (1).

((يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72))) سورة الأحزاب الآيات (71-72).

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .

فقد روى ابن حبان والطبراني من حديث معاذ- رضي الله عنه – أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان ويغفر الله عز وجل لأهل الأرض إلا مشرك أو مشاحن))[1]

هذا الحديث النبوي المبارك الذي يخبرنا فيه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بأن الله- تعالى- يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان هذا الشهر- المبارك الكريم – الذي يأتي قبل رمضان ويغفل عنه كثير من الناس هذا الشهر الذي كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يصوم أكثره حتى قالت عائشة رضي الله عنها : إنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصومه إلا قليلاً إذ أنه لم يصم شهراً كاملاً غير رمضان هذا الشهر قد رويت فيه أحاديث كثيرة موضوعه لا تصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تحث على صيامه ومواصلة صومه في رمضان مع شهر رجب لكن هذه الأحاديث ذكرها العلماء في الكتب التي تتحدث عن الأحاديث التي كذب فيها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعم هذه الأشهر من الأشهر الفاضلة التي يصح للإنسان أن يصوم فيها ما كتب الله تعالى له دون أن يخص أياماً من هذين الشهرين رجب وشعبان وخاصة ليلة النصف من شعبان فقد روي فيها أحاديث كما ذكرنا لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هي أحاديث مكذوبة ولم يصح في قيام ليلة النصف من شعبان أي حديث عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ولم يصح فيها أي أثر عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم بل لم يصح فيها شيء عن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم.

 فلا تخص ليلة النصف من شعبان بقيام ولا نهارها بصيام فهي كبقية الأيام ، ولكن الأمر كما ذكرنا أنه يجوز للإنسان أن يصوم أن كانت له عادة أن يصوم ما تيسر له من رجب وأن يصوم ما تيسر له من شعبان دون أن يخص أياماً ومن لم يكن له عادة في الصيام فإنه يكره الصيام بعد منتصف شعبان

 كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلاَ تَصُومُوا)[2] .

يعني كصيام الاثنين والخميس أو كأن يكون الإنسان معتاداً لصيام يوم وإفطار يوم فلا بأس في هذا الحال أن يواصل صومه إلى أن يأتي رمضان .

أما الشطر الثاني في هذا الحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم : ((يغفر الله عز وجل لأهل الأرض إلا مشرك أو مشاحن )) [3].

 أما المشرك فإن الله تعالى لا يغفر له حتى يتوب من شركه: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً )) سورة النساء أية (48)

فالمشرك لا يغفر له أبداً وأعماله يوم القيامة تصير هباءً منثورًا قال الله تعالى :((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً )) سورة الفرقان أية ( 23 ).

 هذا حال المشرك أن الله تعالى لا يقبل له صرفاً ولا عدلاً يوم القيامة مهما قدم من أعمال لأنه لم يقل يوماً من الدهر ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين .

أما الآخران اللذان لا يغفر لهما الله المشاحنين المتشاحنين فيما بينهما ، يغفر لعباده إلا مشرك أو مشاحن يقول : دعوهما حتى يصطلحا فيما بينهما ويذهب ما بينهما من التشاحن والتحاسد ، والمكايدة التي حصلت بينهما ، إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أهمية القلب وأهمية إصلاح هذا القلب لأن هذا القلب إذا لم يصلحه صاحبه فإنه سيكون وبالاً عليه ، هذه المضغة الصغيرة التي قال فيها النبي صلى الله عليه واله وسلم – ((إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب))[4]

 فالقلب خطره عظيم كما سمعنا في هذا الحديث النبوي المبارك مع صغر هذا القلب وهذه المضغة في الجسد إلا انها تعد بالنسبة لبقية الأعضاء كالملك فإن هي صلحت يصلح الجسد كله وإن هي فسدت يفسد الجسد كله هذا القلب هو محل نظر الله تعالى .

كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ))[5] .

 فالقلب هو محل نظر الله تعالى هذا القلب الذي لا يعرف ما فيه إلا الله عز وجل بل حتى صاحب هذا القلب ليخفى عليه كثير من أعمال هذه المضغة الصغيرة التي تفسد عليه دينه وتفسد عليه حياته المستقبلية التي هي الحياة الأبدية ، هذه الأعمال من أبرزها ومن أهمها قضية المشاحنة فيما بين المسلمين فإن هذا أمر لا يجوز ولا بحال من الأحوال . ومن هنا قال الله تعالى : (( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) )) سورة الشعراء الآيات ( 88-89).

هذه السلامة سلامته من الشرك وسلامته من الحقد وسلامته من الغل وسلامته من المشاحنة إن الشيطان الرجيم لما أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))[6].

 رضي أن يحرش فيما بينهم سعى في إفساد قلوبهم وفي إفساد ذات بينهم ، ارتضى بهذا الأمر لأنه يعلم أن المصلين كثير منهم من صلى صلاة صحيحة حقيقية وأخلص فيها لله عز وجل أنه لا يقع في الإشراك بالله عز وجل  هكذا يحثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حثنا في الأحاديث المتكاثرة التي صحت عنه  صلى الله عليه وآله وسلم  أن نحافظ على هذه القلوب وأن نجعلها قلوباً سليمة صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم كما في أبي داوود والترمذي ، قال الإمام النووي بإسناد صحيح قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من هَجَرَ أخاه سَنَةً فهو كسَفْكِ دَمِه))[7].

 أي هو في الإثم كأنه قتله ، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))[8] .

أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم هكذا يقول ربنا جلا في علاه:(( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) )) سورة آل عمران أية ( 134)

 ما هنالك أحد من الناس لا يغلط ولا ينزل الغيض بأخيه ولا ثمة شخص يستطيع أن يمسك لسانه مسكاً كلياً، بحيث لا يتفوه بكلمة يؤذي بها أخاه المسلم ولكن الأخر هو الذي يتفضل على هذا المسيء على هذا الذي أنزل به مثل هذا الكلام ، الذي يشتط فيه الإنسان غيظاً فيكتم غيظه قليل هم أولئك الذين يكظمون الغيظ والذين يعفون عن الناس وليس الشديد بالصرعة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم وإنما الشديد هو الذي يمسك نفسه حين الغضب ليس الشديد هو الذي يرد الصاع بالصاعين والكيلة بالكيلتين ، ولكن الشديد هو الذي يعفو عمن أساء إليه ، وهكذا كانت وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أن يصفح الإنسان وأن يعفو عمن أخطأ عليه وعمن ظلمه هذا هو الأدب الإسلامي الجم الذي جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا مثل هذا الأمر الذي يحفظ علينا ديننا ويحفظ علينا سلامة صدورنا وسلامة معتقدنا ، هكذا يقول ربنا  عز وجل: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) )) سور الحشر أية (10).

هذا هو قمة الخلق قمة مراعاة الأخلاق والآداب الإسلامية ومراعاة سلامة الصدر وكظم الغيض والعفو عمن يسيء إليه يجب على الإنسان أن يعود نفسه وأن يدربها وأن يؤهلها على ألا ترد الصاع بصاعين ، ولا تتنصر للنفس ولا تتنصر للذات وإنما يكونون كمثل ذلك الصحابي الذي نادى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطلب الإنفاق من أجل تجهيز غزوة تبوك فرأى الصحابة يهبون بأموالهم وصدقاتهم ويضعونها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يملك شيئاً يتصدق به لوجه الله  عز وجل وتولى من بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو حزين يبكي أنه ما وجد شيئاً يتصدق به لله عز وجل  فقام ليلة يصلي لله عز وجل ويقول : (( يا رب إنني لم أجد شيئاً أتصدق به لوجهك اللهم إني قد تصدقت بعرضي وأحل كل من تكلم بعرضي وبات طيلة ليلته وهو يجهش بالبكاء ويدعوا الله عز وجل أن يتقبل هذه الصدقة إذ تصدق بعرضه لوجه الله تعالى ))

 حتى أتى في الصباح ، أو كما في الحديث: ((اللهم إني قد تصدقت بعرضي على من نالني من خلقك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أين المتصدق بعرضه البارحة ؟

 قال : أنا يا رسول الله قال : إن الله تعالى قال قبل صدقتك))[9] .

 لأنه عفا عن الناس الذين يتكلمون فيه ويتكلمون بعرضه .

في حديث ابن مسعود  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر )[10].

يؤخذ من هذا أن نقل الكلام أن الغيبة أن النميمة من أبرز الأشياء التي تفسد القلوب ، وتظلم صدور وقلوب أًصحابها لأن هؤلاء الناس ينقلون الكلام من هذا إلى هذا ، بغرض فساد ذات البين هذه القضية قضية ينبغي على المسلم أن يحافظ على قلبه وعلى سلامه صدره وأن يعمل جاهداً من أجل تنقية هذه المضغة التي إن اعتنى بها الإنسان ارتقى في الدرجات العلى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .

نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هكذا أدبنا وهكذا علمنا ألا يهجر الإنسان أخاه فوق ثلاث ، وأن هجره لمدة عام كامل أن ذلك يعد من الاثم والجرم العظيم حتى جعله كأنه سفك دم أخيه لكننا لا ننتبه لمثل هذه القضايا ونظن أن هذه عقوبة يستحقها هذا الإنسان وهي في الحقيقة قد لا تنفع في كثير من الأحيان ، فالهجر إنما شرع من أجل الزجر ومن أجل رد المخطئ إلى الصواب ولكن إذا لم ينفع ذلك الهجر لامع زوجة ولامع ولد ولامع قريب و لامع صديق فإنه يحرم الهجر في  مثل هذه الحال .

في حديث عبد الله بن مسعود أيضاً أن الله تبارك وتعالى أطلع على قلوب العباد فوجد أطهرها وأزكاها قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم  فاختاره للنبوة ثم نظر نظرة أخرى إلى قلوب العباد فوجد قلوب الصحابة أطهرها وأزكاها فأختارهم لصحبته ولوزارته ولمساعدته ومعونته  صلى الله عليه وآله وسلم  إذاً نرى إن الله تبارك وتعالى محل نظره ومحل اصطفائه هي القلوب فالقلب الطاهر الزكي قريب من الله سبحانه وتعالى والقلب الذي يحمل الأحقاد ويحمل الغل ويحمل الضغائن على المسلمين قلب بعيد عن الله عز وجل  ونحن أيها الأخوة الفضلاء  في شهر كريم وفي شهر مبارك  وعلى الأبواب سنستقبل شهر رمضان .

واجب علينا أن نصفي هذه القلوب وأن نسقلها بطاعة الله عز وجل نزكيها بما زكاها الله عز وجل به وبما زكاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأعمال الصالحة أن نصفح عن من أساء إلينا ألا ننتصر لهذه الأنفس أن نزري بهذه الأنفس ونقول لها : إذا كان هذا قد أخطأ عليك بخطأ واحد فلقد أخطأ تي أخطاءً كثيرةَ على الناس بشعور أو بدون شعور لذا وجب التغافر بين المسلمين والتصافح والتسامح وخصوصاً بين الأرحام والأقارب فإن ذلك من أعظم الأمور ومن عظم الأشياء التي أمر الله  عز وجل بوصلها :(( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) )) سورة محمد أية ( 23 -22)

واجب علينا المحافظة على هذه القلوب والمحافظة على سلامة الصدور لأن سلامة الصدور فيها التحام للمجتمعات كلها ، ماذا تصنع بمجتمع يعيش أشد منه عيشة وأخطر وأخبث ربما مما تعيشه الحيوانات الكاسرة في الغابات بل أن هذه الحيوانات في قلوبها شيء من الرحمة على أقاربها وعلى أسرتها وعلى من تحوطهم بالنصح لكن الإنسان هكذا سمى الله عز وجل هذه المضغة التي في جسده سماها بالقلب ، لأنها شديدة التقلب ، يتقلب هذا القلب في كل وقت وفي كل حين وهذه القلوب كما قال النبي صلى الله عليه واله وسلم  بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء .

 إذًا لابد من محاسبة ومراجعة وتصفية هذه القلوب حتى تكون سليمة وحتى يحيا الإنسان حياه هنيئة سليمة لا يظلم عليه قلبه ولا يجد الوحشة ممن هم أقرب الناس إليه وإن من شؤم هذه المعصية أن القلب والصدور تجد وحشة من الآخرين نتيجة أنها تحمل الحقد والغل على الآخرين لأن هذه القلوب ليست قلوباً سليمة وليست قلوباً صافية فكيف يهنأ الإنسان بحياته إذا كان قلبه بهذه المثابة .

اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه                                   وبعد :

إن الفتن التي تحل بالناس أنما تعرض على هذه القلوب بل إن جميع الفتن التي تعرض على الأذن والبصر وعلى اليد وإلى آخره ، إنما ترد إلى هذه القلوب قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ))[11].

 لأنه هو الملك هو الحاكم وهو يستطيع أن يقول: لهذه العين أتق الله أيتها العين فلقد نظرت نظرة محرمة قد تورثني موتاً لا أحيا بعده ، هذه النظرة قد تورثني حسرة لا أشفا بعدها أبداً .

وهكذا يقول :للأذن ولليد وللرجل ، الفتن تعرض على القلوب.

كما في حديث حذيفة  رضي الله عنه: (( تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصد عوداً عوداً فأيما قلب اشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأيما قلب انكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تكون القلوب على قلبين ، أبيض مثل الصفاء لا تضره فتنة مادام السماوات والأرض ، وأسود مرباداً  كالكوز مجخياً أي كالكأس المقلوب ، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه ))[12]

فالقلب السليم هو الذي لا تضره هذه الفتن مادامت السماوات والأرض أما القلب المريض فأنه يتشرب بهذه الفتن وما أكثر هذه الفتن التي تعرض على هذه القلوب وعرضها على القلوب ثم عبر الحواس ثم عبر النظر وعبر السمع وعبر الرجل وعبر اليد وعبر اللسان والشم ، ثم بعد ذلك هذه الجوارح تعرضها على القلب فإن كان القلب صحيحاً وكان سليماً وكان متقياً بإذن الله عز وجل يدفع هذه الفتن وإن كان مريضاً فإنه يتشرب بها وإذا تكاثرت عليه هذه الفتن فإن النكت السوداء حينها تكثر عليه حتى يصير هذا القلب لا يفقه شيئاً ، كما قال الله تعالى :(( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) )) سورة المطففين أية (14) .

هذا القلب أي فتنة تعرض عليه أي معضلة أي كبيرة أي ذنب يرتكبها الإنسان فإن الإيمان يضعف ويمرض في هذا القلب حتى يوشك أن يخرج من هذا القلب .

في سنن أبي داوود  أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن))[13].

في هذا الحديث زيادة وإن العبد إذا ارتكب الذنب خرج الإيمان من قلبه ثم يبقى فوقه كأنه ظله فإذا أقلع عن هذا الذنب لأنه لا يفعل الذنب من في قلبه إيمان وإنما يفعله في حال خروج هذا الإيمان من قلبه ، ولو كان الإيمان موجوداً لزجره عن الوقوع في هذا الذنب تماماً كما فعل ذلك الرجل الذي اضطرت ابنة عمه يوماً للاستلاف منه فقال لها : لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك فلما كان منها موضع الرجل من أمرأته قالت له :اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، قام هذا الرجل وتركها وقال: ما عندك من المال هو لك لوجه الله تعالى  لأن الإيمان كان لا يزال في قلبه أما إذا اقترف الذنب فإن الإيمان يخرج من قلبه فإذا انتهى من هذا الذنب عاد هذا الإيمان ضعيفاً مريضاً فإذا ارتكب ذنباً آخر وهكذا وتنكت فيه هذه النكت  فإذا لم تصقل ويشفى هذا القلب فإنه يوشك أن ينتكس انتكاسة لا يجد بعدها عافية أبداً .

  اللهم أصلح فساد قلوبنا ، والحمد لله رب العالمين .


[1] – سنن ابن ماجه 1/445

[2] – سنن أبي داود 2/272

[3] – سنن ابن ماجة 1/445

[4] – البخاري 1/28

[5] – مسلم 4/1984

[6] – صحيح مسلم 8 /138

[7] – سنن أبي داود 2/696

[8] – البخاري 5/2302

[9] – سنن البيهقي 6/226

[10] – سنن أبي داود 2/681

[11] – مسلم 8/52

[12] – مسلم 1/128

[13] سنن النسائي 8/64

التعليقات
إلى الأعلى