الرئيسية » انتاجات الشيخ » خطب مفرغة » العدل في الإسلام

العدل في الإسلام

أن العدل قوام الدنيا والدين وسبب صلاح العباد والبلاد و به قامت السموات والأرض، فالعدل من أهم دعائم السعادة التي ينشدها البشر في حياتهم أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم وأن يستقر العدل فيما بينهم ولا يعرف في وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدمار وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات من سلب الحقوق، فالعدل قيمة ضرورية في الإسلام في جميع مناحي تشريعاته ونظمه فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم والقضاء والإرث والمعاملات وأداء الشهادة كتابة العهود ونظام الأسرة و الاقتصاد والاجتماع …الخ.

خطبة بعنوان : العدل في الإسلام

العناصر:

1-    مفهوم العدل.2- أنواع العدل .3-تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان .4-ثمار العدل.

الحمد لله أمرنا بالعدل في كتابه المبين ونهى عن الجور والظلم و العدوان حتى في حق الكافرين وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده رسوله بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله أصحابه الذين ساروا على نهجه وتمسكوا بسنته وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

عباد الله :

             اتقوا الله تعالى وأعلموا أن الله أمر بالعدل عموما وأخبر أنه يحب أهله فمقام العدل في الإسلام عظيم وثوابه عند الله أكبر.

وسيدور حديثنا في هذا اليوم المبارك بإذن الله تعالى في الحث على العدل وبيان أنواعه.

المراد بالعدل :

 إعطاء كل ذي حق حقه إن خيراً فخير وأن شرا فشر من غير تفرقة بين المستحقين .

أهمية العدل :

          ولأهمية العدل بعث الله رسله وأنزل كتبه لنشره بين الناس قال تعالى: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)) سورة الحديد آية (25).

والقسط هو العدل .

أن العدل قوام الدنيا والدين وسبب صلاح العباد والبلاد و به قامت السموات والأرض .

فالعدل من أهم دعائم السعادة التي ينشدها البشر في حياتهم أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم وأن يستقر العدل فيما بينهم ولا يعرف في وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدمار وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات من سلب الحقوق .

فالعدل قيمة ضرورية في الإسلام في جميع مناحي تشريعاته ونظمه فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم والقضاء والإرث والمعاملات وأداء الشهادة كتابة العهود ونظام الأسرة و الاقتصاد والاجتماع …الخ.

فالتاريخ خير شاهد على سلامة المجتمعات التي حكمها الإسلام من الانهيار الخطير في الأخلاق و أمنها من اضطراب الموازن والمعايير وصانها من دمار النفوس وخراب العمران.

 

إخوة الإسلام :-

                   اعلموا حفظكم الله أن العدل ينقسم إلى أنواع باعتبارات مختلفة :

أولا: باعتبار زمانه ومكانه وهذا ينقسم إلى قسمين :

أ‌-        عدل في الدنيا ويشمل الحياة البشرية كلها منذ أن خلق الله آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قال الله تعالى ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)) سورة الحديد آية (25).

ولما كان الناس يختلفون ويتخاصمون احتاجوا إلى من يرفع خصوماتهم فجاء الإسلام لرفع الظلم وما قصة هابيل وقابيل إلا صورة واضحة على خطورة الظلم فهو أول مصيبة تودي بحياة إنسان على وجه الأرض.

ب‌-     عدل آخر : وهو الذي استأثر الله به إذ قد يفلت الظالم في الحياة الدنيا من سلطة العدالة فيأخذ الله منه بمظلمة المظلوم قال الله تعالى :(( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)) سورة الأنبياء آية (47).

 وهذا هو العدل المطلق.

ثانيا : باعتبار عمومه وشموله:

 فيعم الإنسان والحيوان وسائر الكائنات.

 أما شموله للإنسان :

           قال الله تعالى :((وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) سورة الأنعام آية (8).

فالعدل مطلوب حتى مع الأعداء ولنا في رسول صلى الله عليه وسلم أسوة فلا توجد حادثة واحدة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام – ظلم فيها يهودي أو نصراني أو مشرك من قريش أو غيره.

أما شموله للحيوان:

                     فالإنسان مأمور بعدم الظلم و إيذائه للحيوان سواء كان بحبسه أو تجويعه أو تحميله فوق الطاقة .

وقد دخلت امرأة ا لنار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

وبالمقابل دخلت امرأة الجنة في كلب سقته من بئر فشكر الله لها.

أما شموله لسائر الكائنات :

                           فهو ما نراه و نلحظه في حركات الكائنات التي تسبح في الأرض أو التي تسبح في الفضاء فمنها ما يلاحظ عدله في الحركة بين السرعة والبطء كالليل والنهار والشمس والقمر قال تعالى :(( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40))) سورة يس الآيات (38-40).

ومنها ما يكون عدله مرتكزاً في حركته بين الزيادة والنقصان كالماء واليابسة فالماء لو طغى على اليابسة لهلك الكل كما أنه لو نقص لهلك كل كائن يعيش في الماء.

ثالثا: ينقسم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان إلى قسمين :

1-    عدل فردي : وهو ما كان مظهرا لتوازن النفس لدى الفرد فمن ذلك أن يعدل في جسده وروحه وعقله وفكره وعمله ونشاطه ….الخ).

 وفي الحديث الصحيح (( آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك ؟. قالت :أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا …… فقال له سلمان أن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأع طي كل ذي حق حقه فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فذكر ذلك له فقال عليه الصلاة والسلام صدق سلمان ))[1] .

2-    عدل جماعي وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين أي أن الإنسان يعدل في أخذ ماله من حقوق وأداء ما عليه من واجبات مثل أن يعدل الإنسان في بيعه وشرائه وفي حكمه وقضائه وشهادته وأمانته ومنعه وعطائه .

- فالرئيس يجب عليه أن يعدل في إسناده الأعمال لذوي الكفاءة .

- والقاضي يراعي العدل بين الخصمين .

- والأب مع الأولاد.

- الزوج مع ا لزوجات.

إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل لابد أن يجني في حياته ثمرات عظيمة منها.

1-     العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار وحافز كبير لهم على الإقبال والإنتاج.

2-    أنه بغير العدل يؤدي إلى التوازن والانقلابات واضطراب الأمن كما حدث في الثورة الفرنسية وجنوب أفريقيا وفلسطين وغيرها.

أيها الناس :-

            لقد طبق أسلافنا الأولون العدل في أعلى صورة بدءا من رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد أعطى نموذجا أيضا في إقامة العدل حتى على نفسه الكريمة فقد روي أن أسيد بن حضير رضي الله عنه كان رجلا صالحا مليحا: (( فبينما هو عند رسول الله صلى الله علية وسلم يحدث والقوم ويضحكهم طعن رسول الله صلى الله علية الصلاة والسلام في خاصرته.

 فقال : أوجعتني .

فقال: له عليه الصلاة و السلام (( اقتص )).

 فقال :يا رسول الله إن عليك قميصا ولم يكن على قميص .

قال: فرفع رسول الله عليه الصلاة والسلام قميصه فاحتضنه ثم جعل يقبل كشحه.

 فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله أردت هذا))[2]

نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أو أوصاه في خاصة نفسه بتقوى عز وجل ومن معه من المسكين خيرا ثم قال :(( اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ( أو خلال ) فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا))[3].

وأبلغ من هذا أن النبي- صلى الله وآله وسلم- جرح في معركة جرحا قد كسرت رباعيته وشج وجهه.

 فيقول: له بعض الصحابة رضي الله عنهم لو دعوت عليهم يا رسول الله؟

 فقال: إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت رحمة للعالمين اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون.

وعندما انتصر السلطان صلاح الدين على الصليبين اجتمع إليه نساؤهم وتوسلن إليه بإطلاق الأسرى وبكين فتأثر صلاح الدين وأمر بإطلاق الأسرى.

أيها المسلمون:-

إن ديننا دين قائم على العدل في كل أحكامه وتشريعاته قال تعالى :(( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) سورة الأنعام آية (115).

 فهو صدق في أخباره عدل في أحكامه ولا يقر الجور و الظلم و العداوات ولا يحابي مع أحد بل دائما مع الحق أينما كان .

نسأل الله عز وجل أن يعلي دينه وأن ينصر كتابه وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه والحمد لله رب العالمين .



[1] – فتح ا لباري 4/209

[2] – البيهقي 8/49

[3] – مسلم 3/1356

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>