جديد الموقع
الرئيسية » انتاجات الشيخ » خطب مفرغة » الفرقة والاختلاف في العمل الإسلامي

الفرقة والاختلاف في العمل الإسلامي

إن هذا الداء من أعظم عوامل التمزق بصف العاملين للإسلام عندما يصبح الانصياع للحق مفقود وتصبح شهوة العظمة هي الطاغية على المبتلى بها.

الفرقة والاختلاف في العمل الإسلامي

العناصر:

1- تعريف الفرقة والاختلاف2- خطورة الفرقة بين المسلمين 3- أسباب الفرقة4- نماذج تاريخية5- الحلول المقترحة.

أما بعد :

عباد الله:

فإن وحدة العمل الإسلامي وتقارب وجهات النظر في السير بالمدعوين وردم هوة الخلاف القائمة من أهم الأسباب لوحدة المسلمين ولعل الدعاة هم الأساس وهم القدوة في ذلك لعامة الناس.

ولنأت أولا لتعريف الفرقة والاختلاف.

فالفرقة والاختلاف نقيض الاتفاق جاء في لسان العرب : إذا أختلف الأمران لم يتفقا.

إعلموا رحمكم الله إن الفرقة والاختلاف بين المسلمين خطر عظيم ويتضح  ذلك من خلال:

1- تصدع الصف وضياع القوة مما يؤدي إلى فشل قال الله تعالى ((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) سورة الأنفال آية (46).

2- تسلط الأعداء على المسلمين.

3- الهلاك الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم : فعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: ((سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ خِلَافَهَا فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَ كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ وَلَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا))[1]

وقال عليه الصلاة والسلام ((عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد لا يخلون رجل بامرأة ثلاث مرار إلا كان ثالثهما شيطان من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن ))[2]

4- تبديد الطاقات والجهود فيعود الضرر على المسلمين .

5- فقدان ثقة العامة بالدعاة.

6- تغلب أصحاب الأهواء.

7- الوزر الذي يتحمله كل من كان سببا للفتنة.

فينبغي للمسلم أن يتجنب أسباب الافتراق والتي منها:

1- الإعجاب بالرأي : فقد يحمله على الغرور واحتقار المخالف ويحمله على رفض الحق إذا جاء على لسان المخالف ويحمله كذلك على التشنيع على المخالف.

فقد جاء في الحديث عن أبي ثعلبة  الخشني رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ))[3]

فالمعجب برأيه لا يرى إلا نفسه ولا يتهمها بعيب أو نقص بل قد يصر على رأيه ولو تبين له الحق.

بل قد يوالي ويعادي على أساس موافقته ومخالفته وينسى ما يوصي به الإسلام من لين الجانب وخفض الجناح وحسن التعامل فقد قال الله سبحانه وتعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) سورة المائدة آية (54).

وقال سبحانه: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) سورة الفتح (29).

2- الحسد والبغي والغيرة:

وقد يرى بعض المنتسبين إلى العلم ما عند غيره من أهل العلم أو المشتغلين بالدعوة من حظ وإقبال الناس عليه والتأثر به وقلة حظه ومكانته فيحمله الحسد والغيرة على البغي فلا يتورع عن الغمز وللمز والطعن كما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكما حصل لبعض العلماء والدعاة في زماننا.

3- التعصب لرأي داعية أو عالم أو جماعة أو مذهب أو حزب:

فقد يصل التعصب بالمرء إلى حد العمى عن إدراك الحق وكم أحدث التعصب من فتن ووقيعة بين الذين ابتلوا به حتى غلب عليهم التعامل بالظلم.

والمتعصب ينسى أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

بل لا يوجد أحد من العلماء أو رؤساء الأحزاب والجماعات والجمعيات معصوم من الخطأ.

وأقوال العلماء رحمهم الله قديما مشهورة :(( كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر))

وقال آخر :إذا صح الحديث فهو مذهبي)) إلى غير ذلك من الأقوال .

إن من لوازم الصدق والمحبة أن يقول الشخص للمصيب أصبت وللمخطئ أخطأت قال صلى الله عليه وسلم ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا))[4]

4- شهوة الزعامة وحب الصدارة والجاه:

فصاحب هذا المرض يصل إلى حد أن يجعل نفسه متبوعا لا تابعا وآمرا لا مأمورا.

هذا مرض قد يكون خفيا يحرص صاحبه أن يستره بشعار من التدين المفتعل فيضفي على نفسه هالة بأساليب معينة تعرض على الآخرين أنه لولا هو لضاع الإسلام مما يؤدي للالتفاف حوله وتقديسه من حيث لا يشعر

ويغيب عن نفسه واجبه نحوها من مجاهدتها واتهامها.

إن هذا الداء من أعظم عوامل التمزق بصف العاملين للإسلام عندما يصبح الانصياع للحق مفقود وتصبح شهوة العظمة هي الطاغية على المبتلى بها.

5- تغليب جانب التشاؤم من الآخرين .

فيحمل أعمالهم وتصرفاتهم على محامل سيئة حتى يصير الأصل سوء الظن في الأفراد والجماعات .

وكان من الأفضل في المختلفين في اجتهاد أو فهم أو وسيلة أو هدف أن يلتقوا وأن يكون حسن الظن هو الغالب عليهم وأن يتحاوروا في جوانب الافتراق مع التجرد للحق ونزاهة عن الهوى.

إن الإسلام لا يصان حماه ولا تحمى بيضته إلا بالتعاون على البر والتقوى وأن تتكافل هذه الجماعات بدلا من أن تتأكل ولا ينبغي أن يكون القصور الحاصل في بعض الجماعات حاملا على القطيعة وكيل الاتهامات بدون حق قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) سورة المائدة (8)

6- إقامة مبدأ الولاء و البراء على أساس الاختلاف في القضايا الجزئية.

والواجب أن لا يكون ذلك بل هذا النوع من الاختلاف لا يفسد للود قضية كما كان حال سلفنا الصالح رضوان الله عليهم فلم يزالوا مختلفين في كثير من الفروعيات والاجتهادات ولم تحدث بينهم قطيعة بل كان كل فريق يثني على الآخر ، والذي ينبغي أن تكون المفاصلة والولاء والبراء على القضايا الأصول .

7- الخلط بين الثوابت القضايا الفرعية.

الثوابت يجب المحافظة عليها ولا يجوز التهاون بها أما الفروعيات التي يسع الناس الخلاف فيها فلا حرج في ذلك كما حدث من الصحابة في مسألة الصلاة في بني قريظة وكاختلاف الصحابة في تحريق نخل بني النضير فنزل قول الله ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ))سورة الحشر

آية (5).

8- الانشغال بتتبع العثرات والسقطات.

من ذا الذي ما ساء قط         ومن له الحسنى فقط

هل الصحابة سلموا وهم خير جيل من البلايا والذنوب وهل كانوا يتتبعون العثرات ذلك الصحابي الذي كان يكثر من شرب الخمر وكان يؤتى به إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيجلده فقال : أحدهم لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ((لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله))[5]

ومن كثرة حسناته غمرت سيئاته في بحر حسناته .

9- وجماع ذلك كله ا لهوى:

فهو مصدر كل بلية ومنبع كل فتنة وانحراف وأصل كل عدول عن الحق فإنه ما استحكم في نفس إلا أرداها قال الله تعالى : ((فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )) سورة القصص آية (50).

وقال سبحانه ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً )) سورة النسائي(135)

وقال سبحانه ((وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) سورة المؤمنون آية (71).

وقال سبحانه ((وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) (71).

وإليكم أيها الإخوة نماذج تاريخية وما آلت إليه الفرقة والاختلاف في تمزيق الصف وإراقة الدماء

وقعة الجمل:

وقعة صفين :

مقتل الحسين :

الاضطراب الذي أصاب البلاد الإسلامية بعد موت يزيد .

وفي عصرنا الحاضر ما حصل للجهاد الأفغاني بعد الانتصارات على الروس وما هو حاصل في أرض الإسراء والمعراج بين الفصائل الفلسطينية لذلك أوصي بأهم المقترحات لسد الهوة والفرقة .

1- تطهير الأفراد والجماعات من الحزبية والولاء الضيق .

2- عزل الطامحين للمصالح الدنيوية .

3- لزوم الثوابت والدفاع عنها .

4- حمل المسلمين على السلامة .

5- التكامل لا التآكل.


[1]- البخاري 8/587

[2] – سنن النسائي 5/388

[3] – سنن الترمذي 4/648

[4] البخاري 6/229

[5] – البخاري 6/2489

التعليقات
إلى الأعلى