الرئيسية » إنتاجات الشيخ » إصلاح ذات البين

إصلاح ذات البين

فإن من رحمة الله جل وعلا – أن وحد كلمة المؤمنين بالإسلام وجمع قلوبهم بالإيمان فتآخوا بعد عداوة وسعدوا بعد شقاوة وصاروا متحابين في جلال الله كالبنان أو كالبنيان يشد بعضه بعضاً…

خطبة بعنوان : إصلاح ذات البين

إن الحمد لله نحمده تعالى – ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم .

يا من يرى مد البعوض جناحها         في ظلمة الليل البهيم الأليل .

ويرى مناط عروقها في نحرها           والمخ في تلك العظام النحل

ويرى خرير الدم في أوداجها            متنقلاً من مفصل في مفصل

ويرى وصول غذاء الجنين ببطنها       في ظلمة الأحشاء بغير تمقل

ويرى مكان الوطء في أقدامها          في سيرها وحثيثها المستعجل

ويرى ويسمع حس ما هو دونها        في قاع بحر مظلم متهول

امنن علي بتوبة تمحوا بها               ما كان مني في الزمان الأول .

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفوته من خلقه وخليله أشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .

نور أضاء بصيرتي فأضاءني           لما تذكرت الحبيب محمداً

وكأنما سطعت شموس في دمي         وكأنما قمر السماء تعددا

هو بالرسالة والهداية قد أتى           شرفت به الدنيا وكان مكملاً

من بعد شق الصدر وجه قلبه         للغار معتكفاً غدا متأملاً

حتى بدأ جبريل قال اقرأ وقل          وكأنه في العلم كان الأولا

صلى عليه الله والرسل والملائك في العلا          وصلاته سعد ووعد

صلى عليه الله والأمم التي جاءت وراحت       والتي لم تأت بعد

صلى عليه الطير والأشجار والجدران            والأنهار في قرب وبعد .

أما بعد :

فإن من رحمة الله جل وعلا – أن وحد كلمة المؤمنين بالإسلام وجمع قلوبهم بالإيمان فتآخوا بعد عداوة وسعدوا بعد شقاوة وصاروا متحابين في جلال الله كالبنان أو كالبنيان يشد بعضه بعضاً قال – تعالى – : (( … وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) سورة آل عمران آية (103)

وقال – تعالى – ممتناً على عباده المؤمنين : ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) سورة الأنفال آية (63)

ما من سبيل يؤدي إلى لحمة المسلمين وتآلفهم وتآخيهم إلا وأجبته الشريعة أو ندبت إليه وما من سبيل يؤدي إلى البغضاء والشحناء والقطيعة إلا حرمته الشريعة لقد أمرت الشريعة بالإخاء والحب في الله وإجابة الدعوة وإطعام الطعام وإفشاء السلام وتشميت العاطس وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإكرام الجيران وحسن رعايتهم وحفظ حقوق الأهل والرحم وجعلت للمسلم على أخيه المسلم حقوقاً يجب عليه أن يحفظها له وحثت الشريعة على آداب كثيرة وأخلاق جمة من شأنها تقوية الروابط وتؤدي إلى زيادة المودة والمحبة وحرمت الشريعة الغيبة والنميمة والسب والشتم والهمز واللمز والجدال وغير ذلك لأنه سبيل يؤدي إلى القطيعة والهجران وتأجيج نيران الأحقاد والعداوات ومع كل هذا فإن المسلم قد ينتابه غضب أو انفعال أو غفلة فيؤذي أخاه المسلم بقول أو فعل فيتلقف ذلك شياطين الإنس والجن فيضرمون نار الحقد بينهما فيكون الهجران والقطيعة وربما استمر الأمر زمناً طويلاً من أجل ذلك رتب الإسلام الأجر العظيم لمن كظم غيظه وعفا عمن أساء إليه قال – تعالى – : ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ  ))

 سورة آل عمران الآيات ( 134- 136)

كما أمر من أساء أن يبادر للرجوع عن خطئه والاعتذار لمن وصلت إليه الإساءة منه .

أيها الإخوة الكرام :

إنها تشريعات إلهية جليلة لو أخذ بها الناس لما وجد الشيطان سبيلاً لإفساد ذات البين ولما رأينا القطيعة بين الأب وابنه وبين الزوج وزوجه وبين الأخ وأخيه فضلاً عن الصديق وصديقه ولهذا شرع الإسلام إصلاح ذات البين وأباح للمصلح ما حرم على غيره كالكذب لغرض الإصلاح فقال – صلى الله عليه وآله وسلم – : ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا))[1]

بل رتب على ذلك أجراً عظيماً يقول الله – تعالى – : (( … فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ …)) سورة الأنفال آية ( 1)

وقال – سبحانه – : ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )) سورة الحجرات آية (10)

وقال تعالى – في الزوجين : (( … فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ…)) سورة النساء آية (128)

 وفي قراءة (( أن يصطالحا بينهما صلحاً ))

إن الاشتغال بالإصلاح بين الناس من أفضل القربات بل إنه أفضل من كثير من النوافل نوافل الصلاة والصوم وقراءة القرآن ذلك لأن نفع الإصلاح بين الناس متعدي والعبادة نفعها مقتصر على المتعبد يقول – صلى الله عليه وآله وسلم – : (( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ ” قالوا بلى يارسول الله قال ” إصلاح ذات البين وفساد ذات البيت الحالقة))[2] أي التي تحلق الدين

إن الإصلاح بين الناس معدود في الصدقات في شرعنا قال – صلى الله عليه وآله وسلم – : ((كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة ويميط الأذى عن الطريق صدقة))[3]

ومعنى تعدل بين الاثنين أي تصلح بينهما بالعدل إن المصلح – أيها الكرام – قد يحرم عليه أحياناً أن يصدق في حال الإصلاح لأنه قد يؤدي – أي الصدق إلى إشعال نار الفتنة وتأجيج نار الفرقة بين المتخاصمين ويزيد في نفرتهما من بعض ولهذا قال بعض أهل العلم : إن الله يحب الكذب في الإصلاح ويبغض الصدق في الإفساد لأنه من باب النميمة لإفساد ذات البين ويحب الكذب للإصلاح بين الناس لقوله – صلى الله عليه وآله وسلم – : ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا))[4]

والمقصود بهذا الكذب أن تمتدح هذا في وجه ذاك وتقول : إنه يمدحك ويحبك ويودك ويتمنى لو أنكم تلتقون وتصطلحون وأنه يجلك وما شاكل ذلك من الكلام وهو في الواقع لم يقل هذا ولم يتكلم بهذا فإذا رأيت منه قرباً وحباً لإصلاح ذات البين ذهبت للآخر فقلت له مثل الأول فإذا وجدته قريباً كذلك فإنك تجمع بينهما بعد ذلك وتنسيهما الماضي وتألف بين القلوب .

إن إصلاح ذات البين عمل عظيم القدر تكاسل عن القيام به كثير من المسلمين مع قدرتهم على ذلك خاصة وأن بعض الخصومات أسبابها تافهة وقد تكون الرغبة في إصلاح ذات البين متوافرة عند الطرفين لكن الأنفة والعزة تقفان حاجزاً وسد منيعاً أمامهم فإذا جاء وسيط الخير سهل الإصلاح لوجود الرغبة وبهذا ينال الوسيط الأجر العظيم لتأليفه ين القلوب ونحن إذا نظرنا- أيها الكرام – حولنا فسنجد مثل هذه القطائع ومثل هذه النفرة نجدها بين القبائل ونجدها بين الأسر ونجدها بين الأب وابنه والزوج وزوجه والأخ وأخيه والجار وجاره والصديق وصديقه ولكننا ننظر إلى القضية على أنها لا تعنينا وننظر إليها نظرة سطحية ولا نتفاعل معها وقضية إصلاح ذات البين لا تقل أهمية عن أي قضية أخرى إذا نظرنا إليها فإن قوة الأسرة في تماسكها وقوة القبيلة في تماسكها وتآخيها وقوة الشعب في تآخيه وتماسكه وتواده ومحبته بعضه لبعض وقوة الأمة في تماسكها كذلك شعوباً وقبائل وحكاماً بذلك يظهرون بالمظهر اللائق بهم والذي يحبه الله – جل وعلا – لذلك قال الله – تعالى – (( … فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ …)) سورة الأنفال آية ( 1)

إن إصلاح ذات البين تؤدي إلى جبر الخواطر وإصلاح القلوب وتوصل المرء إلى رضا علام الغيوب إننا ربما نتكاسل عن إعطاء شيء من الجهد والوقت لإصلاح ذات البين بين الناس فتؤدي هذه القضية إلى مشاكل لا تحمد عقباها فإذا لم يتأت ذلك فإن السبل الكثيرة التي جعلها الشرع لإصلاح ذات البين فقد لا يوفق المرء في أن يصلح بين اثنين ولكن يأخذ القضاء مجراه فيصلح بينهما لأنه ملزم ولأنه موجب ولأنه قوي بقوة الدولة وبقوة الشرع وبقوة القانون فيستطيع حينئذ أن يفصل في القضايا التي لا يستطيع لها الناس البسطاء لكن أقول :

 أين دورنا هل قمنا بالواجب الذي أناطه الله بنا في هذا الجانب ؟ ولعل كل واحد لو أراد أن يستحضر في ذهنه الآن لوجد أقل ما يكون قضية أو قضيتين فإذا سعى فيها نال الأجر العظيم لتأليفه بين القلوب المتنافرة

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على شرف الأنبياء والمرسلين نبينا مأشرف

أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات – سبحانه – يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون .

فهو العليم أحاط علماً بالذي        في الكون من سر ومن إعلان .

وهو العليم بما يوسوس عبده        في نفسه من غير نطق لسان

بل يستوي في علمه الداني             مع القاصي وذو الإصرار والإعلان

فهو العليم بما يكون غداً وما          قد كان والمعلوم في ذا الآن

 وبكل شيء لم يكن لو كان كيف     يكون موجوداً لذي الأعيان

فهو السميع يرى ويسمع كل ما        في الكون من سر ومن إعلان

فالكل صوت منه سمع حاضر       فالسر والإعلان مستويان

 وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله يكفيه مدح الله له وثناؤه عليه ولا يمكن أن تبلغ مداحنا له عشر ما مدحه الله به

أنا ما أتيتك يا حبيبي مادحاً          يكفيك مدح الله والتمجيد

فصفات خلقك في الكتاب كثيرة      ليست لها حد ولا تحديد

أنا هائم في نور حبك ذائب          فأظل أبكي والغرام يزيد

أيها الإخوة والأخوات :

من سلك طريق إصلاح ذات البين فعليه أن يخلص النية لله وربنا عز وجل –  لأنها كما قلنا عبادة من العبادات يقول : (( … وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )) سورة النساء آية  (114)

كما أن على المصلح أن يكون ملماً بالعلم الشرعي أو يتخذ مستشاراً من أهل العلم فقد تكون الخصومة على إرث ويحتاج المصلح لمعرفة حق كل وارث وقد تكون بين زوجين فيحتاج لمعرفة الحقوق والواجبات التي أنيطت بالطرفين وقد تكون بين شريكين فتحتاج إلى إلمام بالقضية كما تحتاج إلى مشاورة أهل الاختصاص والذين يعرفون الشرع والقوانين النافذة المعمول بها في البلاد وعليه كذلك أن يتحرى العدل فلا يميل لأي طرف مهما كانت الظروف قال – تعالى – : (( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ))

سورة الحجرات آية  (9)

وعلى المصلح أيضاً أن يتحرى الوقت والمكان المناسبين فلا يأتي في زمان التشاجر والتباغض والتهارش فيقول : اجلسا لأصلح بينكما فإن الوقت لا يصلح وقد يكون المكان غير صالح ولا لائق لإصلاح ذات البين فعلى المصلح أن يتحرى الزمان والمكان وعلى المصلح أيضاً أن يعض المتخاصمين ويذكرهما بالموت والوقوف بين يدي الله – تعالى – ويذكرهما كذلك بحقارة الدنيا وزوالها وأن يتحرى أحسن الكلام ويترفق بهما فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه أسأل الله – تعالى – أن يوفقنا للقيام بهذه المهمة لإصلاح ذات البين وأن يكتب الأجر العظيم لكل من سلك هذا الطريق وأصلح بين الناس أن يجزيه خيراً وأن يرفع درجته وأن يعلي مقامه . والحمد لله رب العالمين .



[1] – البخاري 2/958

[2] – سنن أبي داود 2/697

[3] – البخاري 3/1090

[4] – البخاري 2/958

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>