جديد الموقع
الرئيسية » انتاجات الشيخ » خطب مفرغة » العدل في الإسلام

العدل في الإسلام

إعطاء كل ذي حق حقه إن خير فخير وأن شرا فشر من غير تفرقة بين المستحقين

العدل في الإسلام

العناصر:

1-    مفهوم العدل.

2-    أنواع العدل .

3-    تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان .

4-    ثمار العدل.

الحمد لله أمرنا بالعدل في كتابه المبين ونهى عن  الجور الظلم و العدوان حتى في حق الكافرين وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده رسوله بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على نهجه وتمسكوا بسنته وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

عباد الله :

اتقوا الله تعالى وأعلموا أن الله أمر بالعدل عموما وأخبر أنه يحب أهله فمقام العدل في الإسلام عظيم وثوابه عند الله أكبر.

وسيدور حديثنا في هذا اليوم المبارك بإذن الله تعالى في الحث على العدل وبيان أنواعه

المراد بالعدل :

إعطاء كل ذي حق حقه إن خير فخير وأن شرا فشر من غير تفرقة بين المستحقين .

أهمية العدل :

ولأهمية العدل بعث الله رسله وأنزل كتبه لنشره بين الناس قال تعالى (( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ))[1] والقسط هو العدل .

إن العدل قوام الدنيا والدين وسبب صلاح العباد والبلاد و به قامت السموات والأرض .

فالعدل من أهم دعائم السعادة التي ينشدها البشر في حياتهم أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم وأن يستقر العدل فيما بينهم ولا يعرف في وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدمار وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات من سلب الحقوق .

فالعدل قيمة ضرورية في الإسلام في جميع مناحي تشريعاته ونظمه فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم والقضاء والإرث والمعاملات وأداء الشهادة كتابة العهود ونظام الأسرة و الاقتصاد والاجتماع …إلخ.

فالتاريخ خير شاهد على سلامة المجتمعات التي حكمها الإسلام من الانهيار الخطر في الأخلاق و أمنها من اضطراب الموازن والمعايير وصانها من دمار النفوس وخراب العمران.

 

إخوة الإسلام :-

اعلموا حفظكم الله أن العدل ينقسم إلى أنواع باعتبارات مختلفة :

أولا: باعتبار زمانه ومكانه وهذا ينقسم إلى قسمين :

أ‌-       عدل في الدنيا ويشمل الحياة البشرية كلها منذ أن خلق الله آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قال الله تعالى (( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ))[2] ولما كان الناس يختلفون ويتخاصمون احتاجوا إلى من يرفع خصوماتهم فجاء الإسلام لرفع الظلم وما قصة هابيل وقابيل إلا صورة واضحة على خطورة الظلم فهو أول مصيبة تودي بحياة إنسان على وجه الأرض.

ب‌-  عدل الآخرة : وهو الذي استأثر الله به إذ قد يفلت الظالم في الحياة الدنيا من سلطة العدالة فيأخذ الله منه بمظلمة  المظلوم قال الله تعالى (( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها كفي بنا حاسبين ))[3] وهذا هو العدل المطلق.

ثانيا : باعتبار عمومه وشموله:

فيعم الإنسان والحيوان وسائر الكائنات.

أما شموله للإنسان :

فقد قال الله تعالى: (( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى ))[4]

فالعدل مطلوب حتى مع الأعداء ولنا في رسول صلى الله عليه وسلم أسوة فلا توجد حادثة واحدة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام – ظلم فيها يهوديا أو نصرانيا أو مشركا من قريش أو غيره.

أما شموله للحيوان:

فالإنسان مأمور بألا يظلم حيوانا أو يؤذيه سواء كان بحيسه أو تجويعه أو تحميله فوق الطاقة .

وقد دخلت امرأة ا لنار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

وبالمقابل دخلت امرأة الجنة في كلب سقته من بئر فشكر الله لها.

أما شموله لسائر الكائنات :

فهو ما نراه ونلحظه في حركات الكائنات التي تسبح في الأرض أو التي تسبح في الفضاء فمنها ما يلاحظ عدله في الحركة بين السرعة والبطء كالليل والنهار والشمس والقمر قال الله تعالى: (( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر والليل سابق النهار كل في فلك يسبحون ))[5]

ومنها ما يكون عدله مركوزا في حركته بين الزيادة والنقصان كالماء واليابسة فالماء لو طغى على اليابسة لهلك كل كائن يعيش في اليابسة كما أنه لو نقص لهلك كل كائن يعيش في الماء.

ثالثا: ينقسم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان إلى قسمين :

1-    عدل فردي : وهو ما كان مظهرا لتوازن النفس لدى الفرد فمن ذلك أن يعدل في جسده وروحه وعقله وفكره وعمله ونشاطه ….إلخ).

وفي الحديث الصحيح (( آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال ما شأنك ؟. قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا …… فقال له سلمان أن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأع طي كل ذي حق حقه فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فذكر ذلك له فقال عليه الصلاة والسلام صدق سلمان ))[6]

2-    عدل جماعي وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين أي أن الإنسان يعدل في أخذ ماله من حقوق وأداء ما عليه من واجبات مثل أن يعدل الإنسان في بيعه وشرائه وفي حكمه وقضائه وشهادته وأمانته ومنعه وعطائه .

- فالرئيس يجب عليه أن يعدل في إسناده الأعمال لذوي الكفاءة .

- والقاضي يراعي العدل بين الخصمين .

- والأب يراعي العدل مع الأولاد.

- والزوج يراعي العدل مع ا لزوجات.

إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل لابد أن يجني في حياته ثمرات عظيمة منها.

1-     العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار وحافز كبير لهم على الإقبال والإنتاج.

2-    أنه بغير العدل يؤدي إلى فقدان التوازن والانقلابات واضطراب الأمن كما حدث في الثورة الفرنسية وجنوب أفريقيا وفلسطين وغيرها.

أيها المسلمون :-

لقد طبق أسلافنا الأولون العدل في أعلى صورة بدءا من رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد أعطى نموذجا  في أقامة العدل حتى على نفسه الكريمة فقد روي أن أسيد بن حضير رضي الله عنه كان رجلا صالحا مليحا فبينما هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث القوم ويضحكهم طعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاصرته فقال : أوجعتني فقال: له عليه الصلاة و السلام (( اقتص )) فقال يا رسول الله إن عليك قميصا ولم يكن على قميص قال: فرفع رسول الله عليه الصلاة والسلام قميصه فاحتضنه ثم جعل يقبل كشحه فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله أردت هذا))[7]

وهكذا بين نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية  أوصاه في خاصة نفسه بتقوى عز وجل ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال (( أغز باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ((الإسلام – الجزية – القتال)).

وأبلغ من هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جرح في معركة فقد كسرت رباعيتة وشج وجهه فيقول له بعض الصحابة رضي الله عنهم لو دعوت عليهم يا رسول الله فقال: ((إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت رحمة للعالمين اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون))

وعندما انتصر السلطان صلاح الدين على الصليبين اجتمع إليه نساؤهم وتوسلن إليه بإطلاق الأسرى وبكين فتأثر صلاح الدين وأمر بإطلاق الأسرى .

أيها المسلمون:-

إن ديننا دين قائم على العدل في كل أحكامه وتشريعاته قال الله تعالى :(( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا )) فهو صدق في أخباره عدل في أحكامه ولا يقر الجور و الظلم و العداوات ولا يحابي مع أحد بل دائما مع الحق أينما كان .

نسأل الله عز وجل أن يعلي دينه وأن ينصر كتابه وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه والحمد لله رب العالمين .

 


[1] -سورة الحديد آية (25)

[2] – سورة الحديد آية(25)

[3] – سورة  الأنبياء آية (47)

[4] – سورة   المائدة  آية (8)

[5] – سورة يس آية (38-36)

[6] – فتح ا لباري 4/209

[7] – البيهقي 8/49

التعليقات
إلى الأعلى