الرئيسية » انتاجات الشيخ » خطب مفرغة » مفاهيم خاطئة حول التدين

مفاهيم خاطئة حول التدين

التدين الحق هو الاستقامة على هذا الدين عقيدة وعبادة وسلوكا وأخلاقا ظاهرا وباطنا من غير إفراط ولا تفريط.

مفاهيم خاطئة حول التدين

العناصر:

1- مفهوم التدين 2- حاجة البشرية للتدين 3-الشرائع السماوية 4- من مميزات هذا الدين

5- مفاهيم خاطئة حول التدين.

الحمد لله على فضلة وإحسانه رضي لنا الإسلام دينا وأمرنا بالتقوى لأنها خير لباس.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو رب الناس وملك الناس وإله الناس.

وأشهد أن محمد عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، شرح له صدره  ورفع  له ذكره  وجعل الذل والصغار  علي من خالف أمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وكل من آمن به وتمسك بسنته إلى يوم الدين .

أما بعد :

إخوة الإسلام:

نقف اليوم بإذن الله تعالى حول موضوع مهم لجميع البشرية وبالأخص لمن يسمون أو لمن يلقبون بالمتدينين والحقيقة أن هذا الموضوع تحوم حوله مفاهيم خاطئة تتلقفها الأمة من غير إدراك لمعناها ولا فهم  لحقيقتها.

لقد أهبط الله عز وجل أبانا آدم عليه السلام إلى الأرض بعد أن وقع في خطيئته التي قدرها الله سبحانه عليه سلفا ولكنه هبط بتكليف جديد ألا وهو دين الإسلام بمفهومه الشامل قال الله تعالى : ((قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)))سورة طه الآيات (123-126).

فالإسلام دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره قال الله تعالى : ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ)) سورة آل عمران آية (85).

وقال تعالى : ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) سورة آل عمران آية (19).

ولكن وللأسف ظهرت في الآونة الأخيرة تصورات ومفاهيم  خاطئة  شوهت بجمال الدين وأدت إلى سلبيات كثيرة .

نقف اليوم أن شاء الله حول هذه المفاهيم لنبين خطأها.

نأتي أولا لنعرف مفهوم التدين :

الدين أولا يطلق على أحد معنيين :

الأول : بمعنى الجزاء على العمل قال الله سبحانه : ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) سورة الفاتحة آية  (4).

وقال الله تعالى : ((يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ )) سورة النور آية (25).

المعنى الثاني: الخضوع والافتقار فالدين الحق : هو جميع ما أرسل الله به رسله من الأحكام والشرائع اعتقادية كانت أم قوليه أو فعلية لاشك أيها الإخوة أن البشرية جمعاء محتاجة لهذا الدين فالإنسان خلق ضعيفا كما قال الله تعالى : ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً )) سورة النساء آية (28).

يحتاج إلى قوة يلجأ إليها والله سبحانه وتعالى هو القوى المتين لذلك نجد كثيرا من الناس قديما قد انحرفوا فلجئوا إلى الكواكب والأشجار والأحجار والشمس والقمر وغيرها ظنا منهم أن هذه الأشياء تمتلك من القوة  والتصرف ما يستمدون منها قواهم وهذا اعتقاد باطل جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهدمه وتبصير الناس بدعوة التوحيد.

لقد وجدت شرائع سماوية قبل الإسلام لعل أهمها شريعة إبراهيم وشريعة موسى  عليهم  الصلاة  السلام  وشريعة عيسى  وهؤلاء  هم  من أولو العزم  وقبلهم شريعة نوح عليه الصلاة والسلام . قال الله تعالى: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً )) سورة النساء آية (163).

وقال الله تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)) سورة الشورى آية  (13).

لكن هذه الأديان حرفت وبدلت و لم يبق منها دين كامل  شامل صالح لكل زمان ومكان إلا دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره كما قال سبحانه: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ )) سورة آل عمران (85).

ولذا نجد في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى عمر بن الخطاب أتى بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي صلى الله عليه و سلم فغضب فقال: (( أمتهوكون فيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه و سلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ))[1]

ولاشك أن هذا الدين له مميزات عظيمة  أهلته ليكون الدين الخالد من أهم هذه المميزات:

1- إصلاح العقيدة لأن تتجه القلوب إلى الواحد الأحد.

2- جمعه ما بين إصلاح النفوس وتزكيتها وإصلاح نظام الحياة للتشريع.

3- إقامة الحجج والبراهين ومناقشة المخاطبين بجميع فئاتهم ومستوياتهم .

4- عموم دعوته عليه الصلاة والسلام لسائر البشر.

5- الدوام والختام فما من رسول إلا وبشر برسول الله محمد عليه الصلاة والسلام .

6- الاهتمام بالقواعد والأصول والبعد عن التفريعات .

7- الرأفة بالناس ووضع الإصر والأغلال عنهم.

8- تلازم الشريعة مع الولاية والسلطة.

إذا التدين الحق هو الاستقامة على هذا الدين عقيدة وعبادة وسلوكا وأخلاقا ظاهرا وباطنا من غير إفراط ولا تفريط.

ولنقف معا أيها الإخوة مع أو ل مفهوم من المفاهيم الخاطئة ألا وهو :

1ـ تخصيص التدين بفئة معينة فالله سبحانه وتعالى يوجه خطابه دائما إلى عباده المؤمنين يقوله (( يا أيها  الذين أمنوا …)).

الخطاب في القرآن موجه لأهل الإيمان وكانت خطابات السنة الشريفة أيضا خطابات باسم الإسلام أو باسم الإيمان أو باسم الإحسان .

وأما التخاطب بلفظ آخر مثل أن يقال إن هؤلاء هم الملتزمون أو المتمسكون فلكل هذه الألفاظ حقيقة  لم ترد لا في كتاب ولا في سنة بل أدت إلى بعض الآثار غير الحميدة من ذلك:

أ‌- التحزب المقيت وما يتبعه من الولاء الخاص و البراء الخاص حتى أصبح كثير من الناس أعني المتدينين كأنهم فئة خاصة عن المسلمين  مستقلة وبقية المسلمين فئة أخرى.

ب‌- التفرق إلى مجموعات وفئات متنافرة ومتباينة مما أضعف الشوكة وذهب بالريح والقوة وأطمع الأعداء في هذه الأمة.

ت‌- نشوء الطبقية بين المسلمين رجال الدين والبقية أحرار متفلتين.

ث‌- التخاطب بلغة خاصة حتى أن بعض الناس إذا تكلم  يقول: (( الشباب الإخوان )) يعني كأن هؤلاء فئة والمسلمين فئة أخرى .

ومن المفاهيم الخاطئة أيضا:

2ـ التركيز على العبادات الظاهرة وإهمال العبادات القلبية فالعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة )) فيدخل في ذلك أعمال القلوب من الصدق واليقين والإخلاص والرجاء والخشية والتوكل والإنابة فكل هذه من أعمال القلوب التي أمر الله سبحانه بها.

3ـ المبالغة في الشكليات والمظاهر : فمثلا في اللباس تجد بعض المتدينين يحصرون التدين في لباس معين مع أن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الأحاديث الصحيحة لبس الثياب ولبس السراويل ولبس الإزار والرداء ولبس أيضا القميص فالتجار الحضارم أثروا في إندونيسيا وماليزيا فدخلت كلها في الإسلام لأنهم دخلوا مع  الناس بأخلاقهم ومعاملتهم بالأمانة والصدق ولم يتميزوا عن الناس فاندمجوا في المجتمع مما أثر في دخول فئام كثير من الناس في هذا الدين العظيم.

ومن المفاهيم الخاطئة:

3ـ النزوع إلى نصوص الترهيب والوعيد والتخويف وإهمال نصوص الترغيب والوعد والرخاء.

فنجد بعض المنتسبين للتدين إن صح التعبير دائما يركزون على أحاديث الوعيد والترهيب والله سبحانه وتعالى يقول : ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ )) سورة فاطر آية (24).

إذا نبدأ أول شيء بالبشارة فدين الإسلام هو دين البشارة فلا بد من الموازنة بين الأمرين لأن تغليب جانب على آخر قد يؤدي إلى الخروج عن المنهج  الشرعي كما هو حال الخوارج.

وأيضا من المفاهيم الخاطئة:

4ـ التشديد على النفس وحرمانها من المباحات فبعض المتدينين يشق على نفسه في العبادة ويكلف نفسه من الأعمال مالا يطيق وتجد آخر يحرم نفسه من الرحلات البرية والنزهات مع الأهل وربما لبس اللباس الردئ وحرم نفسه من اللباس الجميل.

والله تعالى يقول: ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32))) سورة الأعراف الآيات (31-32).

وقال عليه الصلاة و السلام ((كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة)) [2]

ومن المفاهيم الخاطئة:

5ـ التمسك بالوسائل القديمة ورفض كل جديد والجمود ورفض التطور : هذا موجود عند بعض المنتسبين للتدين مثلا بعضهم يرفض الكمبيوتر والذي يختصر الوقت على الباحثين وعلى طلبة العلم وأصحاب الدراسات العليا فيقول أعوذ بالله هذا الكمبيوتر سيهدم علم التخريج وهذا من الأشياء  العجيبة .

قال تعالى : ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) سورة الجاثية آية  (13).

هذه الوسائل والآلات الحديثة يجب أن نستخدمها في خدمة الدين وفي توفير الوقت والجهد والمال.

وأيضا من المفاهيم الخاطئة :

6ـ رفض دورات تكوين الذات بحجة أنها بدعة وأنها لم ترد عن السلف وبعضهم قال : إن هذه فيها سحر وشعوذة عياذا بالله  .

وهذه الدورات تسمى الهندسة البشرية قال الله تعالى : ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10))) سورة الشمس الآيات (9-10).

والآيات في هذا كثيرة .

ومن المفاهيم الخاطئة :

7ـ رفض وسائل الإعلام  جملة وتفصيلا ( التلفاز والإنترنت والإذاعة…إلخ فبعض المتدينين يقول عندما نقول له مثلا هل أدخلت قناة المجد إلى بيتك قال أعوذ بالله نسأل الله العفو العافية ونسأل الله حسن الخاتمة مع أن هذه الوسائل لها أحكام المقاصد فإذا استعملت في طاعة الله عز وجل كانت خيرا وإلا كانت شرا .

ومن المفاهيم الخاطئة :

8ـ معاملة الناس  بنفسية الحاكم لا بنفسية الداعية المصلح الحكيم الرحيم  فبعض الناس يتسرع بالتكفير والتفسيق فلان كافر و فلان فاسق و فلان مبتدع  لكنه ليس عنده أسلوب في الدعوة والله سبحانه وتعالى  يصف رسوله عليه الصلاة والسلام بقوله : ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )) سورة الأنبياء(107).

كانت هذه بعض المفاهيم الخاطئة حول التدين .

نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين وأن ينفعها بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا .

والحمد لله رب العالمين .

 


[1] – مسند أحمد 3/387

[2] – البخاري 5/2180

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>